مناع القطان
130
مباحث في علوم القرآن
ودلت الآثار على أن الاختلاف في وجوه القراءة لم يفزع منه حذيفة بن اليمان وحده ، بل شاركه غيره من الصحابة في ذلك ، عن ابن جرير قال : « حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، قال لما كان في خلافة عثمان ، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل . فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين - قال أيوب : فلا أعلمه إلا قال - حتى كفر بعضهم بقراء بعض ، فبلغ ذلك عثمان . فقام خطيبا فقال : « أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون ، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا ، . اجتمعوا يا أصحاب محمد . فاكتبوا للناس إماما » قال أبو قلابة : فحدثني أنس بن مالك قال : كنت فيمن يملي عليهم ، قال : فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولعله أن يكون غائبا في بعض البوادي ، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ، ويدعون موضعها ، حتى يجيء أو يرسل إليه ، فلما فرع من المصحف كتب عثمان إلى أهل الأمصار : إني قد صنعت كذا وكذا ، ومحوت ما عندي ، فامحوا ما عندكم » « 1 » وأخرج ابن أشتة « 2 » من طريق أيوب عن أبي قلابة مثله ، وذكر ابن حجر في الفتح أن ابن أبي داود أخرجه في المصاحف من طريق أبي قلابة . وعن سويد بن غفلة قال : « قال عليّ : لا تقولوا في عثمان إلا خيرا ، فو اللّه ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا . قال : ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول : إن قراءتي خير من قراءتك ، وهذا يكاد يكون كفرا ، قلنا فما ترى . قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف ، قلنا : فنعم ما رأيت » « 3 » .
--> ( 1 ) أنظر الجزء الأول من تفسير الطبري ، تحقيق وتخريج الأخوين محمد محمد شاكر وأحمد محمد شاكر طبعة دار المعارف صفحة 61 ، 62 . ( 2 ) هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أشتة ، من المحققين الثقات ، الذين اشتغلوا بعلوم القرآن ، توفي سنة 360 هجرية . ( 3 ) أخرجه ابن أبي داود بسند صحيح .